ابن تيمية

107

مجموعة الفتاوى

وَالْأَشْيَاءُ الْمُسَاوِيَةُ لِشَيْءِ وَاحِدٍ مُتَسَاوِيَةٌ وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَالنَّقِيضَانِ لَا يَرْتَفِعَانِ وَلَا يَجْتَمِعَانِ فَمَا مِنْ قَضِيَّةٍ مِنْ هَذِهِ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ تُجْعَلُ مُقَدِّمَةً فِي الْبُرْهَانِ إلَّا وَالْعِلْمُ بِالنَّتِيجَةِ مُمْكِنٌ بِدُونِ تَوَسُّطِ ذَلِكَ الْبُرْهَانِ بَلْ هُوَ الْوَاقِعُ كَثِيراً . فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فَهُوَ نِصْفُ كُلِّ اثْنَيْنِ وَأَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ نِصْفُهُمْ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْوَاحِدَ نِصْفُ هَذَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَهَلُمَّ جَرّاً فِي سَائِرِ الْقَضَايَا الْأُخَرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ عَلَى ذَلِكَ بِالْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ . وَكَذَلِكَ كُلُّ جُزْءٍ يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْكُلَّ أَعْظَمُ مِنْ جُزْئِهِ بِدُونِ تَوَسُّطِ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ . وَكَذَلِكَ هَذَانِ النَّقِيضَانِ مَنْ تَصَوَّرَهُمَا نَقِيضَيْنِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ . وَكُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ لَا يَكُونُ مَوْجُوداً مَعْدُوماً كَمَا يَعْلَمُ الْمُعَيَّنَ الْآخَرَ وَلَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَا يَكُونُ مَوْجُوداً مَعْدُوماً مَعاً وَكَذَلِكَ الضِّدَّانِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ لَا يَكُونُ أَسْوَدَ أَبْيَضَ وَلَا يَكُونُ مُتَحَرِّكاً سَاكِناً كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ الْآخَرَ كَذَلِكَ . وَلَا يَحْتَاجُ فِي الْعِلْمِ بِذَلِكَ إلَى قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَا يَكُونُ أَسْوَدَ أَبْيَضَ وَلَا يَكُونُ مُتَحَرِّكاً سَاكِناً . وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ مَا يَعْلَمُ تَضَادَّهُمَا فَإِنْ عَلِمَ تَضَادَّ الْمُعَيَّنَيْنِ عَلِمَ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْمُقَدِّمَةِ الْكُبْرَى الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحَدِّ الْأَكْبَرِ . وَذَلِكَ لَا يُغْنِي دُونَ الْعِلْمِ بِالْمُقَدِّمَةِ الصُّغْرَى الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحَدِّ الْأَصْغَرِ وَالْعِلْمِ بِالنَّتِيجَةِ وَهُوَ أَنَّ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ ضِدَّانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ يُمْكِنُ بِدُونِ الْعِلْمِ